ابن بسام

555

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

والدّراري [ وتغاورها ] ، والعرب [ 1 ] أدرى بها ، عرفوا السّماء ومعايشها ، والأرض وحشائشها ، ووصفوا الطّوالع والغوارب ، [ ورتّبوا الثوابت وأنواءها ، والنّوائب وأدواءها ] والأزمنة وأهواءها ، والأودية وأنداءها ، فلا ينجم نجم إلّا سمّته ، ولا ينبت نبت إلّا وسمته ، [ ولا عيش في سائر الأقطار ، إلّا بعابر / الأمطار ، كما لا ثبات للحيوان إلّا بالنبات ، فقد عرفوا إذن طريقي الحياة ، ووصفوا فريقي النّجاة ] ، وما سوى ذلك فضل ليس فيه فضل ، وتكلف لا يفيد فائدة ، ولا يعيد عائدة . وأما أقسام الطّب للأجسام فقد جمعته [ 2 ] العرب في كلمتين معلومتين ، ولفظتين محفوظتين ، على رأيها في الاقتصار ، ومذهبها في الاختصار ، فقالت : « المعدة بيت الداء [ 201 أ ] والحمية رأس الدواء » ، وقال عليه السلام : « أصل كلّ داء البردة » [ 3 ] ، وقالوا : « كل وأنت تشتهي ، ودع وأنت تشتهي » . وكانوا يطعمون ليعيشوا ، وينعمون ليريشوا ، فقد جمعوا الطبّ بأظافيره ، والصلاح بحذافيره ، [ وإذا فتّشت أصول سقراط ، ونبشت فصول بقراط ، لم تجد مستزادا مستجادا ، ولا مسترادا مستفادا ] . وليست هذه الأمور مما يخص به آحادهم ، أو ينفرد به أفرادهم ، بل ينطق به صغارهم وكبارهم ، ويعرفه نساؤهم ، ويهتف به إماؤهم ، ورعاتهم وعبدانهم ؛ أشعارهم بذلك ناطقة ، وأخبارهم عنه صادقة ، ما تلوا فيه متلوّا ، ولا قروا [ 4 ] به مقروّا ، ولكنّها الطّباع الصافية ، والقرائح الكافية ، والغرائز السليمة ، والنّحائز الكريمة ، تلتقط الحكم من مخاطباتهم ، وتسير الأمثال من مجاوباتهم ، على منهاج واحد من الفصاحة في المشاورة ، وفي المحاورة ، وعلى طريقة واحدة من البلاغة في المسالمة والمراغمة ، [ والمواجزة ] مع المناجزة ، [ ولا يتعلّمون ولا يتأمّلون ، بل ] يرسلون الحكم إرسالا ، ويبعثون الفطن أرسالا . / والموسيقى هو علم فنون اللّحون ، بالعجم [ 5 ] إليه حاجة مجحفة ، وضرورة معجّفة ، لعجز [ 6 ] طباعهم عن الأوزان ، وقلّة اتّساعهم في الميدان ، لأنّ لغاتهم قليلة ، وقواهم كليلة ، لا تستجيب إلّا بوسائط ، ولا تستقلّ إلّا ببسائط ، ليس عندهم شعر

--> [ 1 ] ط د : الأعراب . [ 2 ] ط د س : وأما الطب فجمعته . [ 3 ] البردة : التخمة . [ 4 ] ط د س : قرءوا . [ 5 ] ط د س : والموسيقى علم اللحون فما للعجم . [ 6 ] ط د : لنبو ؛ س : لغمر .